يوسف المرعشلي
731
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
هذه الحواشي من الآستانة ، قرأت عليه معظم هذا الشرح مع حواشيه وبقي منه بقية قليلة بقيت في قراءة ذلك إلى أواخر سنة 1324 ، وحالت بعض المشاغل الدنيوية دون إتمامه . ولازمته كما ترى خمس سنين أو أزيد قليلا ، فلم أر فيه غير التقوى والصلاح والزهد في الدنيا ، ولم يكن زيه زي العلماء بل بقي على نسق علماء الأكراد في بلاده ، حيث كان يلبس الثوب من الغزل وفوقه عباءة شقراء وقلنسوة من الكتان على رأسه فوقها عمامة صغيرة يلفها كيفما اتفق ، لا يظن رائيه أنه من العلماء بل يظنه أنه بعض الفلاحين ، وقد كان قانعا بذلك الراتب اليسير الذي يتناوله من وقف المدرسة مع سخاء يد وصدقة سرا وعلانية مع ضيق يده ، فكان ممن يصدق عليه قوله تعالى : وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ [ الحشر : 9 ] . وكان من عادته أنه يتناول القليل من طعام العشاء ثم يأخذ في شرب الشاي وكان مغرما به ، فكان يشرب منه في اليوم والليلة نحو عشر كاسات أو أزيد أحيانا ، ثم يأخذ في المطالعة في الليل وفي التلاوة ، ويظل ساهرا حتى مطلع الفجر ، فحينئذ يصلي ثم ينام إلى ضحوة النهار ، ثم بعد قيامه يتوضأ فيصلي الضحى ويتلو ما تيسر من القرآن ، ثم يأخذ في قراءة الدروس حتى المساء ، فيقرأ في النهار ثلاثة وأحيانا أربعة من الدروس ، بقي على هذا المنوال من حين مجاورته في هذه المدرسة إلى حين وفاته ، لم يغير شيئا من حالته ، وبالجملة فلم أر عليه رحمه اللّه شيئا يشينه ، بل كنت أجد فيه رجل الاستقامة والاقتداء بالسلف الصالح . بعد وفاة مدرس المدرسة الأحمدية الشيخ حسين الكردي وذلك في نواحي سنة 1334 صار مدرّسها ، وبقي على ما هو عليه من قراءة الدروس كما أسلفنا إلى أن مرض أياما قلائل ثم توفي في شهر محرم سنة 1338 ، ودفن في تربة الشيخ ثعلب في طرفها تجاه المكتب السلطاني ، وعمّر نحو الستين من العمر ولم يتزوج قط ، وأسف عليه كل من عرف فضله وتقواه - رحمة اللّه تعالى - . هذا وقد علمت مما تقدم أنني ظللت سنتين أقرأ في « شرح الشمسية » في علم المنطق للقطب الرازي ، وكنت قبل ذلك قرأت في هذا العلم « شرح إيساغوجي » و « شرح السلم » على الشيخ علي رضا الزعيم كما قدمته في ترجمته ، والذي دعاني لعدم الاكتفاء بالكتابين الأخيرين وأغراني للتوسع فيه وقراءة « شرح الشمسية » مع مشارفة « حاشية السيد » عليه قولهم : المنطق آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ في الفكر ، فأكبرت هذا العلم لعظم فائدته ، فوجهت الهمة حينئذ لتحصيله وصرفت ذلك الوقت الثمين في قراءته وحدي على أستاذي المتقدم ، والحق يقال إنه لم يأل جهدا في قراءته لي قراءة تحقيق وتدقيق ، غير أني بعد الانتهاء من الكتاب لم أجد في نفسي تلك الثمرة التي ذكروها ، ولم تعصمني مراعاة تلك القواعد في الذهن عن الخطأ في الفكر ، ووجدت نفسي أني لا أزال أخطىء وأصيب شأن الطبيعة البشرية التي هي مفطورة على ذلك إلا من عصمه اللّه تعالى ، فتيقنت من ذلك الحين أن لا فائدة في هذا العلم ، وأن من وهبه اللّه طبعا سليما وعقلا مستقيما لا حاجة له إلى هذا الفن ، وأن إتقان كل علم يكون بالعكوف عليه وتوجيه الهمة إليه وترويض الفكر فيه ، وذلك ما يدعونه الآن بالتخصص ، وأسفت غاية الأسف على وقتي الذي ذهب سدى في قراءة هذا الكتاب وما يتعلق به من الحواشي ، وصرت أنادي من ذلك اليوم أن المنطق علم لا ينفع والجهل به لا يضر . وتأييدا لما قلته وإزالة لما علق في بعض الأفكار كما كان علق بفكري أذكر لك أقوال العلماء فيه في مدحه وذمه ، ليطمئن بذلك قلبك ، وتزداد إيقانا بما قدمته من نفي ثمرته ، وأنه لا ينتظر من التوسع في تعلمه كبير فائدة . أقوال العلماء الذين مدحوه وذهبوا إلى القول بثمرته قال في « كشف الظنون » ناقلا عن « مفتاح السعادة » : المنطق لكونه حاكما على جميع العلوم في الصحة والسقم والقوة والضعف سماه أبو نصر الفارابي رئيس العلوم ، ولكونه آلة في تحصيل العلوم الكسبية النظرية والعملية لا مقصودا بالذات سماه الشيخ الرئيس ابن سينا بخادم العلوم . وحكى أبو حيان في تفسيره « البحر » أن أهل